خطاب سمو الأمير يفتح الباب أمام نهضة تشريعية جديدة

تفطن المشرع القطري منذ زمن بعيد لأهمية الارتقاء بالتشريع حتى يكون مرآة حقيقة تعكس أحوال المجتمع وأيضاً ليواكب ما يصبو إليه من نهضة وازدهار. فالتشريع هو عبارة عن مجموعة من القواعد القانونية المكتوبة والصادرة عن السلطة التشريعية المختصة في الدولة، وهو بلا جدال الركن الرئيسي في تنظيم المجتمعات البشرية وأحد أهم وسائل الضبط الاجتماعي في المجتمعات الحديثة. ولا يوجد ثمة ريب في أن دولة قطر شهدت وتشهد نهضة تشريعية ملحوظة خلال العقد الأخير من الزمان، وذلك على مختلف الأصعدة سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو التنموية أو البشرية.

وجاء خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى في افتتاح دور الانعقاد العادي السادس والأربعين لمجلس الشورى، في 14 نوفمبر 2017، ليرسم مرحلة جديدة من النهضة التشريعية التي سوف تشهدها دولة قطر على الرغم مما تشهده من حصار جائر. ومن الممكن النظر إلى هذه المرحلة من ثلاث زوايا تتعلق بتنمية بيئة الاستثمار الداخلية وتطوير علاقات التجارة الدولية وأخيراً تعزيز دور السلطات العامة في الدولة.

أولاً: فيما يتعلق بتعزيز بيئة الاستثمار الداخلية، فقد أشار سمو الأمير في خطابة إلى ضرورة العمل على تسهيل الاستثمار والبعد عن التعقيدات الإدارية أو الشكليات التي قد تعيق عملية الاستثمار. ولعل من باكورة التشريعات الصادرة  في هذا الصدد، قانون المناطق الحرة والصادر بموجب المرسوم بقانون رقم (21) لسنة 2017 بتعديل بعض أحكام القانون رقم ‏(34)‏ لسنة 2005 بشأن المناطق الحرة الاستثمارية. ويمنح هذا القانون المستثمر الوطني أو الأجنبي العديد من المزايا الجديدة، ومنها: حرية تحديد الشكل القانوني للنشاط دون الاعتداد بأنواع الشركات الإلزامية الواردة في قانون الشركات القطري رقم 11 لسنة 2015، وحق المستثمر الأجنبي بتملك كامل رأس المال دون التقيد بنصوص قانون الاستثمار رقم 13 لسنة 2000، والتمتع بالإعفاء الضريبي لمدة 20 سنة مع جواز تجديدها بقرار من مجلس الوزراء، وتوحيد الجهة المنظمة والمانحة للترخيص للشركات المسجلة في المناطق الحرة، والتمتع بإعفاءات جمركية، والتحرر من القيود الواردة في قانون الوكالات التجارية، وأخيراً تسوية المنازعات المتعلقة بالمناطق الحرة أمام جهاز خاص لتسوية المنازعات دون غيره وذلك عن طريق التوفيق والتحكيم.

ولقد أشار سمو الأمير- وبحق- في خطابه إلى ضرورة العمل على تطوير النظام البنكي وأيضاً تعزيز دور القطاع الخاص فى المشاركة في الاقتصاد بوصفه شريكاً رئيسياً على أن تكون تلك المشاركة على قدر من المسئولية. ولعل من أبرز التشريعات المنتظرة في هذا السياق هو قانون الشراكة الجديد بين القطاعين العام والخاص PPP والذي سيدعم القدرة الاقتصادية للدولة ويجذب القطاع الخاص ويشجع الاستثمارات المحلية والأجنبية في تنفيذ مشروعات البنية التحتية. 

ومن المتوقع أيضاً أن يشهد قانون استثمار رأس المال غير القطري بعض التعديلات بخصوص زيادة نسبة مساهمة رأس المال الأجنبي في النشاط الاقتصادي بالدولة. ولعل استعداد دولة قطر لتنظيم كأس العالم لكرة القدم 2022، كأول دولة في المنطقة تنظم مثل هذا الحدث العالمي الضخم، هو ما يدفع إلى إعادة النظر في القانون رقم (6) لسنة 2012 بشأن تنظيم السياحة خاصة في ضوء توجيهات الدولة لتنفيذ الخطة الاستراتيجية للسياحة.

ولا يفوتنا أن نذكر في هذا الخصوص قانون المناطق الصناعية والذي انتهى مجلس الوزراء مؤخراً من إقراره وإحالته إلى مجلس الشورى. ويتكون هذا القانون من 21 مادة تنظم العمل داخل المناطق الصناعية، والتي ستتيح للمستثمر استغلال المناطق الصناعية في أنشطة الصناعة التحويلية، والأنشطة المرتبطة بها، كما يتيح للمستثمر مهلة مبدئية مقدارها 12 شهراً لتشغيل مشروع صناعي بعد انتفاعه بالأرض. ومما لا شك فيه أن هذا القانون سيكون داعماً لتطوير الصناعات وبالأخص صناعة النفط والغاز وتحقيق الأمن الغذائي.

ثانياً: بخصوص تطوير علاقات التجارة الدولية، من المعلوم جلياً أن الحصار المفروض على دولة قطر قد أضر بشكل ملحوظ بعملية النقل للبضائع والمنتجات حيث تم إغلاق المنفذ البري الوحيد بين قطر والعالم الخارجي. ولعل ذلك ما يدفع إلى ضرورة العمل على تطوير صناعة النقل البحري والجوي وأيضاً تطوير التشريعات المرتبطة بها. وهذا ما يفسر افتتاح وتدشين ميناء حمد الذي يعتبر من أكبر وأحدث الموانئ في الشرق الأوسط ، كما قد أكد سمو الأمير في خطابه على أنه قد تم عقد العديد من الاتفاقيات مع خطوط النقل البحري الهامة لربط هذا الميناء بمرافئ دولية في تركيا والصين وتايوان وعمان وباكستان وسنغافورة والكويت وأستراليا.

وعلى صعيد التشريع، فنرى أنه في ضوء الأوضاع الحالية، توجد حاجة ملحة للنظر في القانون البحري القطري رقم 15 لسنة 1980 حيث قد شهدت صناعة النقل البحري العديد من التطورات والتي أضحى معها الإطار التشريعي الحالي غير ملائم، خاصة فيما يتعلق بتنظيم تجارة الحاويات والنقل متعدد الوسائط، وسندات الشحن الإلكترونية وأيضاً تطور الخدمات اللوجستية. ولا ينفك عن هذا الموضوع ضرورة انضمام دولة قطر إلى الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالنقل الدولي للبضائع، خاصة اتفاقية الأمم المتحدة في شأن النقل البحري للبضائع الموقعة بهامبورج في 31 مارس 1978 وأيضاً بحث مدى جدوى الانضمام لاتفاقية روتردام 2008 المتعلقة بعقود النقل الدولي للبضائع عن طريق البحر كلياً أو جزئياً.

أما على صعيد النقل الجوي، فقد نظم المشرع القطري أحكام النقل الجوي في المواد من 216-232 من قانون التجارة القطري رقم 27 لسنة 2006. كما انضمت دولة قطر في 15 نوفمبر 2004 إلى اتفاقية توحيد بعض قواعد النقل الجوي الدولي المعروفة أيضا باسم اتفاقية مونتريال والتي أصبحت نافذة في 14 يناير 2005.  وتمتلك دولة قطر شركة الطيران القطرية والتي حققت طفرة عالمية في صناعة النقل الجوي منذ تأسيسها في عام 1997، حيث تسيّر رحلاتها لأكثر من 150 وجهة عالمية على متن أسطول من أحدث طائرات النقل، وهو الأمر الذي يحث على التفكير في تطوير الجوانب التشريعية لعملية النقل الجوي خاصة في ظل بزوغ الرحلات السياحية الفضائية وإنشاء العديد من الدول في المنطقة لوكالات فضاء وطنية.

ثالثاً، بخصوص تعزيز دور السطات العامة في الدولة، أعلن صاحب السمو في خطابه لمجلس الشورى أنه يجري العمل حالياً على الإعداد لانتخابات مجلس الشورى، بما في ذلك إعداد مشروعات الأدوات التشريعية اللازمة لضمان حسن سير تلك الانتخابات. ويأتي هذا الأمر تطبيقاً لنص المادة 78 من الدستور الدائم لدولة قطر لسنة 2004 والتي تقضي بتنظيم انتخاب ثلثي أعضاء مجلس الشورى بموجب قانون تحدد فيه شروط وإجراءات الترشيح والانتخاب. ومما لا شك فيه أن هذه الخطوة الهامة تدعم البيئة الديموقراطية في الدولة وتضمن دوراً فعالاً ومستقلاً للسلطة التشريعية.

ولقد كانت السلطة القضائية أيضاً حاضرة في خطاب صاحب السمو والذي أشار إلى ضرورة العمل على تطوير أنظمة العدالة بما يضمن استقلال القضاء، وعدم إطالة أمد التقاضي، واتخاذ الاجراءات اللازمة لتوفير كافة الإمكانيات البشرية والإدارية والتنظيمية والتجهيزات اللازمة للمحاكم والنيابة العامة والأجهزة المعاونة، وافتتاح مقرات جديدة لها في أنحاءٍ مختلفة من الدولة.

ومما لاشك فيه أن تدعيم دور السلطتين التشريعية والقضائية يعتبر توجهاً هاماً نحو تعزيز مبدأ سيادة القانون وضمان الأمن القانوني، وهو الأمر الذي سينعكس إيجابيا على تطوير بيئة الاستثمار حيث يضمن المستثمر أن ما له من حقوق وما عليه من واجبات كلها منظمة وفقاً لنظام قانوني واضح وتخضع لجهاز قضائي مستقل وفعال. 

مما سبق، يتضح أن دولة قطر مقبلة على مرحلة تشريعية جديدة ومزدهرة. ولابد أن عملية التشريع في هذا الإطار نابعة من قيم المجتمع الثقافية وطبيعته دون الاعتماد على محاكاة تجارب الآخرين أو الاكتفاء بالنقل غير الرشيد من التشريعات المقارنة. ولا يعني هذا بالطبع أن يكون المشرع منغلق على مجتمعه المحلي، بل يتوجب عليه الاطلاع على التطورات المعاصرة في الدول الأخرى والاستفادة منها بقدر ما هو متوافق مع المبادئ الراسخة للبيئة التشريعية القطرية، والتي يجب أن لا يجاوز المشرع حدودها أو يتعدى ضوابطها حتى يأتي التشريع ملبياً لمقتضيات المصلحة العامة وحاجات المجتمع ورؤيته.

ولعل كل ما ذكره صاحب السمو فى خطابه أمام مجلس الشورى ما يشجع جميع الأطراف المعنية بالتشريع فى الدولة على ضرورة إيلاء عملية الصياغة التشريعية عظيم الاهتمام حتى تتماشى مع ما تصبو إليه القيادة والمجتمع من نهضة تشريعية مستمرة لتكون حصناً  للدولة في أداء وظيفتها وأمناً لكل مواطن أو مقيم يعيش ويعمل على أرضها.

بقلم:

الاستاذ/ سلطان العبدالله