قانون التحكيم القطري الجديد : رؤية من زوايا مختلفة

بسم الله الرحمن الرحيم

قانون التحكيم القطري الجديد: رؤية من زوايا مختلفة

شهد التشريع القطري بشكل عام طفرة ملحوظة في الفترة الأخيرة خاصة على صعيد التشريعات المرتبطة بالحياة الاقتصادية، نذكر منها قانون الشركات الجديد رقم 11 لسنة 2015، قانون المناقصات والمزيدات رقم 24 لسنة 2015، القانون رقم  (20) لسنة 2014 بتعديل أحكام قانون السجل التجاري رقم 25 لسنة 2005 والقانون رقم (5) لسنة 2015 بشأن المحال التجارية والصناعية والعامة المماثلة والباعة المتجولين، القانون رقم (2) لسنة 2016 بتعديل بعض أحكام القانون رقم (8) لسنة 2002 بشأن تنظيم أعمال الوكلاء التجاريين.

وفي هذا السياق، تعتبر من الأمور الهامة على صعيد تطوير المناخ القانوني للمستثمرين تهيئة نظام تقاضي فعال وناجع من أجل تسوية منازعات الاستثمار، بما يحقق الأمن القانوني للمستثمر وأيضاً للدولة.  ولعل إصدار قانون التحكيم الجديد رقم 2 لسنة 2017 كأول قانون خاص ومستقل للتحكيم يعتبر من أهم التشريعات المكملة لمناخ الاستثمار حيث إنه يضمن وجود نظام قانوني لتسوية المنازعات يقوم جنباً إلى جنب بجوار القضاء. ولقد جاء صدور هذا القانون في وقت بالغ الأهمية تعمل فيه الدولة بمختلف قطاعاتها وبكامل طاقتها في ضوء القيادة الرشيدة والرؤية الحكيمة لصاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى حفظة الله، من أجل تطوير البنية التشريعية بما يضمن التدفق الآمن والسهل للاستثمارات في الاقتصاد الوطني وأيضاً ضمان إطار ناجع لحل ما قد ينشأ من ذلك من منازعات.

وأود أن استعرض رؤيتي لقانون التحكيم القطري الجديد من أربع زوايا مختلفة، وهي: الثوابت، الاستحداث، الابتكار وأخيراً الطموحات.

  • أولاً: الثوابت، والمقصود بها الأحكام التي وردت في الباب الثالث عشر من قانون المرافعات رقم 13 لسنة 1990 (المواد من 190 – 210) ورددها قانون التحكيم الجديد، ولعل من أهمها مبدأ الطبيعية الرضائية للتحكيم، ومبدأ عدم جواز التحكيم في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح، وجواز أن يرد الاتفاق على التحكيم في شكل شرط تحكيم وارد في العقد قبل نشوء النزاع أو مشارطة تحكيم مستقلة بعد قيام النزاع، جواز الدفع بعدم قبول سماع الدعوى لوجود اتفاق التحكيم. ووفي الحقيقية، تعتبر هذه الأحكام قليلة جداً إذا ما قارنها بعدد مواد قانون التحكيم الجديد والتي تبلغ 38 مادة مقسمة على 8 فصول.
  • ثانياً الاستحداث، والمقصود بها الأحكام الجديدة التي أتى بها قانون التحكيم الجديد مستهدياً في ذلك بأفضل الممارسات الدولية والاتجاهات الحديثة المعمول بها في مجال التحكيم، خاصة تعديلات عام 2006 للقانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي الصادر من لجنة قانون التجارة الدولية التابعة للأمم المتحدة (الأونسيترال UNCITRAL).)، والتي كان له عظيم الأهمية وبالغ الأثر على صعيد إعادة صياغة القواعد الحاكمة لمراحل التحكيم في القانون القطري سواء عند الاتفاق أو أثناء الإجراءات أو صدور حكم التحكيم المنهي للخصومة، وذلك بغية ضمان سرعة وفعالية منظومة التحكيم.

ومن ضمن تلك الأحكام المستحدثة، اشتراط كتابة اتفاق التحكيم بعدما كانت الكتابة مجرد وسيلة إثبات لاتفاق التحكيم في ظل نصوص قانون المرافعات، مع العلم أن المشرع في القانون الجديد اعتمد مفهوم مرن للكتابة حيث اقر بتوافر ركن الكتابة عند استخدام المراسلات الإلكترونية أو أوراق الدعاوي أو حتى الإحالة لوثيقة أخرى تتضمن شرط تحكيم.  

أما على صعيد الإجراءات، فلقد استحدث المشرع دائرة خاصة لمنازعة التحكيم المدني والتجاري بمحكمة الاستئناف وأيضاً الدائرة الابتدائية بمحكمة قطر للمال كمحكمة مختصة في حال اتفاق الأطراف على ذلك، وهو الأمر الذي يوفر قضاء وطني متخصص في شأن الأشراف على التحكيم سواء بالمساعدة أو الرقابة. كما أقر المشرع مبدأ الاختصاص بالاختصاص بكثير من البيان والتفصيل بالإضافة إلى مبدأ استقلال شرط التحكيم.

وأخيراً على صعيد أحكام التحكيم، فقد سهل المشرع من عملية التنفيذ، فقام بإلغاء مرحلة إيداع الحكم وحصر الطعن في حكم التحكيم فقط في دعوي البطلان والتي يكون الحكم فيها من المحكمة المختصة نهائياً وغير قابل للطعن بأي من طرق الطعن.      

  • ثالثاً : الابتكار، وأقصد به تحديداً الأحكام التي تفرد به المشرع القطري عن غيره من التشريعات المقارنة والقوانين النموذجية، ولعل من ابرز هذه الأحكام هو تعريف “السلطة الأخرى” للمرة الأولى على صعيد التشريعات الوطنية حيث إن هذا المصطلح قد ورد في المادة 6 من قانون الأونسيترال النموذجي دون أي تعريف. ونشير أيضاً للدور الجديد لوزارة العدل والتي أنيط بها قيد المحكمين والترخيص لمراكز التحكيم الوطنية أو الأجنبية. وأيضاً من أبرز الأحكام المبتكرة مسألة تقصير المدد الإجرائية في قانون التحكيم القطري الجديد، مثال ذلك مدة إصدار حكم التحكيم والتي نص المشرع على أنها لا تتجاوز شهر من تاريخ قفل باب المرافعة ما لم يتفق الأطراف على خلاف ذلك. كما أن مدة إصدار حكم التحكيم التصحيحي أو التفسيري تكون خلال مدة لا تتجاوز سبعة أيام من تسلم الطلب.
  • رابعاً: الطموحات: وأقصد هنا الاحكام التي كنت أتمنى أن ترد في نصوص قانون التحكيم الجديد، وأخص بالذكر منها مسألة تحديد معيار أجنبيه حكم التحكيم، والتوقيع على حكم التحكيم، وفحوى التزام المحكم بالإفصاح، وتنظيم التوفيق، الشفافية وتمويل الغير للتحكيم، وتنظيم المسئولية الجنائية للمحكمين.

وفي النهاية، أشير إلى أن اصدار قانون التحكيم القطري الجديد يعتبر بلا جدال خطوة هامة من أجل تدعيم  مركز دولة قطر كبيئة حاضنة للاستثمار، وهو الأمر الذي من شأنه دعم رؤيتها الوطنية 2030، وتحقيق ما تصبو إليه من ريادة متصاعدة ومنزلة متميزة على صعيد سهولة ممارسة الأعمال في المنطقة.

بقلم:

الاستاذ/ سلطان العبدالله