قراءة في تعديل المادة 333 من قانون العقوبات القطري

إن من مظاهر فطنة أي مشرعٍ كان حُسن وسرعة تعامله مع أي ظاهرة طارئة على المجتمع، بما يتطلبه ذلك من تصدٍ لتلك الظاهرة ووضع الضوابط القانونية التي تمنع فتكها بالمجتمع أو الاضرار به.

ولعل هذا الدور المجتمعي يظهر بشكل أكثر وضوحاً بالنسبة للمشرع الجنائي لما تشكله القواعد القانونية التي يقررها من أساسٍ للتجريم والعقاب، وهي بذلك تستهدف تحقيق الردعين العام والخاص، ومن قبلهما اتخاذ إجراءات وقائية واستباقية منعاً لارتكاب الأفعال المجرمة، وذلك من خلال نشر الوعي القانوني وإحاطة العامة علماً بمضمون التشريعات الجنائية منعاً من اقدامهم على ارتكاب فعل مجرم ومن ثم الدخول في دائرة الملاحقة الجنائية.

وفي هذا الإطار، كانت الرؤية الحكيمة للمشرع القطري الذي سارع للتعامل مع مجموعة من الظواهر الدخيلة على المجتمع القطري، اذ شهدت الدولة في الأونة الأخيرة بعضاً من الممارسات غير المقبولة التي تضمنت التقاط ونقل صور ومقاطع فيديو لأشخاص مصابين أو متوفين في حوادث مختلفة، وهو الأمر الذي ترك أثراً بالغاً سواء على المصابين أنفسهم أو ذويهم أو على ذوي المتوفين، أو على المجتمع القطري بصورة عامة.

كما أن المشرع القطري –في سياق متصل- لم يغفل لزوم تكريس حرمة الحياة الخاصة ومنع المساس بها، وهو الأمر الذي دعاه إلى دراسة جميع الصور المحتملة للمساس بهذه الحياة الخاصة، وتصدى لها منعاً لوجود أي ثغرة قانونية يستطيع أي شخص النفاذ منها والالتفاف على حكم القانون.

إضافة إلى كل ذلك، فقد كان هاجس المشرع القطري صون شرف الانسان واعتباره، ومنع أي مساس به، فكانت الصياغة المستحدثة لقانون العقوبات القطري مركزة على هذا الجانب مهتدية بما جرى عليه الاجتهاد الدولي والمنهج العالمي من قواعد حماية حقوق الانسان.

وفي هذا السياق أصدر حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر القانون رقم 4 لسنة 2017 بتعديل بعض أحكام قانون العقوبات رقم 11 لسنة 2004 باستبدال نص المادة 333 من القانون.

ويُلاحظ على التعديل المشار إليه ما يلي:

أولاً: أبقى التعديل على صور الاعتداء على الحياة الخاصة الواردة بالمادة المستبدلة، والتي تشمل: فض رسالة أو برقية خاصة موجهة للغير، استراق السمع في مكالمة هاتفية، تسجيل أو نقل محادثات جرت في مكان خاص عن طريق جهاز أياً كان نوعه، والتقاط أو نقل صوراً لفرد أو أفراد في مكان خاص عن طريق جهاز أياً كان نوعه إلّا إنه أضاف إلى الصورة الرابعة من الفقرة الأولى التقاط أو نقل مقاطع الفيديو للإفراد في الأماكن الخاصة بغير رضاهم، وهو الفعل الذي كانت المادة المستبدلة تخلو منه مكتفية بالنص على التقاط أو نقل الصور دون إشارة لالتقاط أو نقل مقاطع الفيديو.

وقد أحسن المشرع بإضافة التقاط أو نقل مقاطع الفيديو للأفراد في الأماكن الخاصة بغير رضاهم إلى صور الاعتداء على الحياة الخاصة، حيث تتحد علة تجريم هذه الصورة من صور الاعتداء مع الصورة المجرمة ابتداءً وهي التقاط أو نقل الصور، وقد كان استبعاد هذه الصورة المضافة بالمادة المستبدلة أمراً منتقداً، ولم يكن يوجد سبب مقنع لاستبعادها، بل إن التقاط أو نقل مقاطع الفيديو لهو أشد خطورة من التقاط أو نقل الصور، وبإضافتها بموجب هذا التعديل فقد تمت معالجة هذا القصور التشريعي.

ثانياً: أضاف التعديل صورتين جديدتين من صور الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة و الاعتداء على شرف الانسان واعتباره لم يكن لهما وجود بالنص المستبدل، وعاقب عليهما المشرع بذات العقوبة.

حيث جرَّم بالفقرة الأولى التقاط أو نقل صور أو مقاطع فيديو لفرد أو أفراد في مكان عام، عن طريق جهاز أياً كان نوعه، بقصد استخدامها في الإساءة أو التشهير، وقد أحسن المشرع بإضافة هذه الفقرة والتي نص من خلالها على معاقبة مرتكبي هذه الأفعال التي تمثل اعتداءً على حرمة الحياة الخاصة حتى لو كان مكان ارتكابها مكاناً عاماً بخلاف النص السابق الذي قصر تجريمها حال ارتكابها في الأماكن الخاصة لكن النص اشترط أن يكون التقاط أو نقل هذه الصور أو تلك المقاطع بقصد استخدامها في الإساءة أو التشهير.

وهو الأمر الذي يثور معه تساؤل هام ألا وهو: هل تم تجريم أي التقاط أو نقل لصور أو مقاطع فيديو للأفراد في الأماكن العامة، والاجابة على ذلك غاية في الأهمية حيث لا يخلو مكان عام من التقاط أو نقل الصور ومقاطع الفيديو وهو الأمر الذي تكمن أهميته في قراءة دقيقة لنص الفقرة المستحدث، اذ يشترط المشرع لوقوع الجريمة وفق هذا النص أن يثبت أن الفاعل قام بالتقاط أو نقل هذه الصور أو المقاطع في المكان العام بقصد استخدامها في الإساءة أو التشهير وهو ما يعني في فقه القانون الجنائي اشتراط قصد خاص لوقوع الجريمة، ذلك أن من المعلوم أن لكل جريمة ركنين مادي ومعنوي ويتمثل المادي في الأفعال المادية التي تتشكل بها الجريمة، في حين أن الركن المعنوي أو القصد الجنائي يتمثل في العلم بالجريمة وأركانها واتجاه إرادة الفاعل إلى ارتكاب الفعل المجرم وهذا ما يسمى بالقصد العام.

إلا إنه بخصوص الجريمة محل الفقرة المستحدثة فقد اشترط المشرع لها فضلاً عن الركن المادي والقصد الجنائي العام توافر القصد الخاص والمتمثل في ضرورة أن يثبت أن التقاط أو نقل هذه الصور أو مقاطع الفيديو للأفراد في مكان عام كان بقصد استخدامها في الإساءة أو التشهير، وهو الأمر الذي قد يكون من الصعوبة بمكان إثباته إلا حال توافر ظروف ومعطيات أخرى يمكن منها استنباط توافر هذا القصد الخاص، وقد أحسن المشرع بهذا الشرط حتى لا يتم الافتئات على الحرية في التصوير في الأماكن العامة وحتى يكون معيار التجريم في ذلك واضحاً ومُحدداً.

كما يجدر التنويه كذلك بأن توافر هذا القصد الخاص أي قصد استخدام الصور والمقاطع المصورة أو المنقولة في الإساءة أو التشهير كافٍ لاعتبار الفعل المجرم مرتكباً، حيث لا يشترط بعد ذلك ووفق النص أن يتم استخدام الصور أو مقاطع الفيديو في الإساءة أو التشهير بشكل فعلي.

هذا ولا بد من الإشارة في هذا المقام الى رأي بعض فقهاء القانون الجنائي من مسألة حرمة الحياة الخاصة في المكان العام، اذ يرى البعض منهم أن تواجد الانسان في مكانٍ عام يتنافى مع مفهوم الحياة الخاصة، بمعنى ان هذا النص التجريمي لا يتعلق بحماية الحياة الخاصة وانما هو يستهدف حماية شرف الناس واعتبارهم، وهذا الرأي هو ذاته الذي خلصت اليه المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان والحريات الأساسية، والتي اشارت بوضوح الى أن التواجد في مكان عام يتنافى مع مفهوم الحياة الخاصة، وبالتالي فإن النصوص التشريعية التي تمنع المساس بالإنسان المتواجد في مكان عام تستهدف حقيقة الحفاظ على شرفه واعتباره المادي والمعنوي …الخ، ولا تستهدف حماية حياته الخاصة، ولعل مما يؤكد صحة منهج المحكمة الأوروبية آنف الذكر موقف المشرع القطري الذي –وفق ما بينّاه أعلاه- لم يجرم فعل التقاط الصور ومقاطع الفيديو في مكان عام الا اذا اقترن بقصد الإساءة أو التشهير، أي أن فعل التقاط و/أو نقل الصور أو مقاطع الفيديو في مكان عام لا يعتبر جريمة من حيث المبدأ الا اذا اقترن بأحد الظرفين المشار اليهما.

أما الفقرة الثانية المستحدثة بهذا التعديل فجاءت جديدة كليةً ولم يكن لها ثمة وجود قبل ذلك بالمادة المستبدلة، حيث تم تجريم التقاط أو نقل صور أو مقاطع فيديو للمصابين أو المتوفين في الحوادث، عن طريق جهاز أياً كان نوعه، في غير الأحوال المصرح بها قانوناً.

وقد جاء هذا التعديل بإضافة هذه الفقرة تكريساً لحماية الحياة الخاصة وحرمة الإصابة والوفاة ومراعاةً لشعور المصابين وذويهم وأهالي المتوفين في الحوادث وكذلك الجمهور ومنعاً لاستمرار بعض السلوكيات التي ظهرت في المجتمع القطري مؤخراً والتي تمثّلت في قيام البعض بتصوير ونقل صور ومقاطع فيديو للمصابين والمتوفين في الحوادث دون مراعاة لمشاعر المصابين أنفسهم أو ذويهم وذوي المتوفين أو حتى غيرهم من الجمهور والذين تتأذى مشاعرهم من مثل تلك الصور والمقاطع فضلاً عما يُشكله ذلك من اعتداء صارخ على حرمة الإصابة والوفاة وهي أمور لم يعتد عليها الشارع القطري، ومن هنا كانت المطالبات بوضع حد لهذه السلوكيات المُشينة، وكانت استجابة المشرع القطري لهذه النداءات وذلك بإضافة هذه الفقرة المستحدثة.

وبموجب هذه الفقرة فقد جرّم المشرع التقاط أو نقل الصور أو مقاطع الفيديو عندما يكون موضوع هذه الصور أو تلك المقاطع مصابين أو متوفين في الحوادث عن طريق أي من الأجهزة التي تستخدم في ذلك ومنها الكاميرات والهواتف وغيرها في غير الأحوال المصرح بها قانوناً، وهو ما يجعل من الخطورة بمكان الإقدام على التقاط أو نقل صور أو مقاطع فيديو في حالات الحوادث سواء للمصابين أو للمتوفين بما يضع الفاعلين لذلك تحت طائلة هذه المادة، والجدير بالذكر أن المشرع في هذه الفقرة اكتفى بالقصد الجنائي العام ولم يشترط قصداً خاصاً كما فعل بالفقرة المستحدثة المشار إليها آنفاً حيث يكفي لوقوع هذه الجريمة أن يقوم الفاعل بالتقاط أو نقل صور أو مقاطع فيديو لأي من المصابين أو المتوفين بالحوادث مع علمه بعناصر هذه الجريمة وإرادته لإحداث تلك العناصر- أي لا يلزم في هذه الحالة ثبوت قصد الإساءة أو التشهير لدى الفاعل بعكس الفقرة السابقة.

ثالثاً: رفع المشرع بموجب هذا التعديل الحد الأقصى لعقوبة الحبس لتكون سنتان بدلاً من سنة واحدة، كما رفع الحد الأقصى لعقوبة الغرامة لتكون عشرة آلاف ريال بدلاً من خمسة آلاف ريال، وأبقى التعديل على جواز الحكم بإحدى هاتين العقوبتين، كما أبقى على شرط انتفاء رضاء المجني عليه وعدم توافر حالة من الحالات المُصرح بها قانوناً، وقد أحسن المشرع بهذا التعديل وإن كان البعض يرى أن عقوبة الغرامة لا زالت أقل من الحد المطلوب.

رابعاً: كما لا يخفى على أحد أن المشرع أكد على أن الفعل المجرم لا يقتصر على عملية التقاط الصور أو مقاطع الفيديو فحسب، بل جعل عملية نقل الصور أو مقاطع الفيديو فعلاً مجرماً حتى لو تم هذا الفعل من قبل شخص آخر بخلاف من التقط الصور ومقاطع الفيديو، وهذا الأمر قد يقودنا الى مسألة أخرى على جانب من الأهمية ألا وهي أن المشرع القطري حقيقة مد نطاق التجريم في المسألة محل البحث ليشمل وسائل التواصل الاجتماعي وأي وسيلة أخرى يتم نقل أو نشر الصور ومقاطع الفيديو من خلالها.

وقد يقول من قائل أن فيما تقدم قيد على حرية التعبير عن الرأي وتناقل الأخبار، ناهيك عن كونه قيد على وسائل التواصل الاجتماعي!! ونحن بدورنا نقول ان المصلحة العامة تتقدم على المصلحة الخاصة، ودفع الضرر أولى من جلب المنفعة، وأن الافتراض السابق فيما لو صح لا يعني البتة تقييد حرية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، لا بل إن فيما تقدم من قواعد قانونية مستحدثة تنظيم لهذه الحريات بما يمنع تجاوزها للغاية المتوخاة منها، وحظر لأي استغلال غير مشروع لهذه الحريات بما يمس مصالح الغير أو ينال من حقوقهم، الأمر الذي مؤداه بالنتيجة قتل هذه الظاهرة (نقل الصور أو مقاطع الفيديو المقصودة في القانون المعدل) ومنع انتشارها بما يحقق مزيداً من الاستقرار المجتمعي وينبذ أي سلوكيات دخيلة على الشارع القطري.

لا مشاحة في أن هذا التعديل التشريعي يعتبر خطوة هامة في سبيل تحقيق وصيانة وحماية حرمة الحياة الخاصة وصون اعتبار الأشخاص وشرفهم، بما يتفق والمعايير الدولية لحماية حقوق الانسان ويرسخ مكانة دولة قطر الرائد في المنطقة، لا بل وعلى مستوى العالم أجمع في مجال تحقيق متطلبات العيش الآمن.

بقلم:

المستشار أمجد الشريده

المستشار أحمد عبدالغني