INSIGHTS

التعليق على المبدأ الذي أرسته محكمة التمييز في خصوص الكفالات البنكية

November 26, 2023

كتبه: أستاذ إسماعيل طايل[1]

 

أرست الدائرة المدنية بمحكمة التمييز بموجب حكمها الصادر في الطعن رقم 403+503/2023 مبدأً مفاده (“أن الكفالات البنكية وإن كانت غير مشروطة فلا بد من التحقق من توافر الشروط الواردة فيها حتى يتم تسييلها بناءً على طلب المستفيد، كما أنه يجب أيضاً التحقق من توافر الشروط المنصوص عليها في القواعد الدولية المنظمة للكفالات البنكية وذلك فيما لم يرد بشأنه نص في القانون القطري”).وتخلص وقائع النزاع الصادر بمناسبته المبدأ محل التعليق، في أن رب العمل في أحد مشاريع المقاولات المُنفذة في دولة قطر أقام دعوى قضائية أمام محكمة أول درجة ضد أحد البنوك العاملة في الدولة طالباً القضاء له بمبالغ الكفالات البنكية التي رفض البنك تسييلها، وذلك على سند من القول بأن المقاول الرئيسي قد أصدر لصالحه عدداً من الكفالات البنكية غير المشروطة ومنها كفالة الدفعة المقدمة وكفالة حسن الأداء وكفالة محجوز الضمان. وأضاف رب العمل أنه من حيث أن المقاول الرئيسي أخل بالتزاماته التعاقدية، فقد تقدم بطلب إلى البنك ليقوم بتسييل الكفالات سالفة الذكر، ولكن الأخير رفض طلبه بقالة أن الشروط الواردة في تلك الكفالات غير متحققة، وهو الأمر الذي يخالف نصوص المواد (406)[2]، (409)[3] من قانون التجارة رقم 27 لسنة 2006 والتي نصت صراحةً على ضرورة امتثال البنك لطلب المستفيد بالتسييل دون الاعتداد بأية معارضة طالما أن الطلب قد تم خلال المدة المعينة في الكفالات، وعليه فإن البنك لا يجوز له أن يخالف تلك النصوص ويرفض طلب التسييل.

 

هذا وقد أقام البنك دعوى ضمان فرعية ضد المقاول الرئيسي لإلزامه بما عسى أن يقضى به لرب العمل في الدعوى الأصلية، وأكد على أن رفضه لتسييل الكفالات البنكية محل النزاع قد جاء مصادفاً لصحيح القانون، وأنه ليست هناك ثمة مخالفة من قبله. كما أن المقاول الرئيسي أكد على أن أعمال المشروع كلها قد انتهت وقد تم بالفعل إصدار شهادة إتمام الأعمال، وقدم دليلاً على ذلك عبارة عن تقرير خبرة صادر في دعوى إثبات حالة كان قد أقامها ضد رب العمل من أجل إثبات حالة المشروع، وأكد بذلك على أن طلب رب العمل تسييل كفالة حسن الأداء إنما ينم عن سوء نيته. أما وبخصوص كفالات الدفعة المقدمة ومحجوز الضمان، فقد قدم المقاول الرئيسي المستندات الدالة على عدم استحقاق رب العمل لمبالغ تلك الكفالات. 

وقد قضت محكمة أول درجة في حكمها بإلزام البنك بسداد قيمة الكفالات البنكية لصالح رب العمل، كما قضت في الدعوى الفرعية بإلزام المقاول الرئيسي بسداد ما سيؤديه البنك لرب العمل. وقد تم تأييد هذا الحكم من قبل محكمة الاستئناف. 

وحيث أن المقاول الرئيسي والبنك لم يرتضيا هذا الحكم، فقد أقاما عليه الطعن بالتمييز الصادر فيه الحكم محل التعليق، وأسسا طعنهما على أنه وإن كانت نصوص المواد التي استند إليها رب العمل في دعواه تنص على ضرورة امتثال البنك لطلب المستفيد بتسييل الكفالات البنكية دون الاعتداد بأية معارضة، إلا أن هذا لا يعني بحال من الأحوال عدم التحقق من الشروط الواردة في تلك الكفالات وكذلك الغرض التي صدرت من أجله، لا سيما وأن المشروع محل الكفالات البنكية قد تم الانتهاء منه وتسليمه لرب العمل والذي بدوره استفاد منه في أعماله التجارية، وهو الأمر الذي تنتفي معه مسوغات طلب التسييل. كما أن طلب التسييل لا يجوز نظره بمنأى عن القواعد الدولية المنظمة للكفالات البنكية والتي تنص على ضرورة توافر حسن النية لدى المستفيد عند طلبه تسييل الكفالات. 

وقد أصدرت محكمة التمييز قضائها بتمييز الحكم المطعون فيه وأكدت في حكمها على أنه كان يجب على محكمة الموضوع التحقق مما ورد في تلك الكفالات من وصف للضمان الصادر في كل منها وفق بنوده وشروطه وأحكامه، ومن ذلك تنتهي إلى صحة طلب التسييل من عدمه، وأن إغفال محكمة الموضوع ذلك في قضائها إنما هو قصور في التسبيب يبطل حكمها. كما أكدت محكمة التمييز على أن القواعد الدولية المنظمة لتلك الكفالات تنطبق على مثل تلك النزاعات وهذا بموجب نص المادة (413)[4] من قانون التجارة رقم 27 لسنة 2006. 

ومن وجهة نظرنا فإن هذا الحكم الصادر من محكمة التمييز، قد أرسى مبدأً يغاير تماماً ما انتهت إليه المحاكم القطرية في السنوات الأخيرة من أنه يجب على البنك الامتثال لطلب المستفيد بالتسييل بمجرد الطلب دون الاعتداد بأي أمر آخر، حيث أن المبدأ محل التعليق نص على ضرورة التحقق من الشروط الواردة في الكفالات البنكية وكذلك الغرض التي أُصدرت من أجله، فإن كانت الكفالة على سبيل المثال هي كفالة الدفعة المقدمة، فلا بد من التحقق من استرداد المستفيد لتلك المبالغ أثناء تنفيذ المشروع من عدمه، وإن كانت الكفالة هي كفالة حسن الأداء، فلا بد من التحقق من أن تنفيذ المشروع قد تم على النحو الصحيح من عدمه، وهكذا. كما أن هذا المبدأ قد أكد على انطباق القواعد الدولية المنظمة للكفالات البنكية على تلك النزاعات، وتلك القواعد تنص صراحةً هي الأخرى على ضرورة التحقق من الشروط الواردة في الكفالات البنكية وكذلك الغرض التي أُصدرت من أجله، إضافة إلى ضرورة توافر حسن النية لدى المستفيد عند طلبه تسييل الكفالات البنكية، وألا يكون متعسفاً في استعمال حقه، بمعنى أنه إذا كان طلب التسييل قد تم لغير الغرض التي صدرت من أجله الكفالة البنكية، فلا يجوز حينئذ الامتثال لطلب المستفيد. وهنا نود التنويه إلى أن القواعد الدولية السالف ذكرها في هذا التعليق هي قواعد غرفة التجارة الدولية، المنظمة لخطابات الضمان المعمول بها الآن والمعروفة باسم قواعد غرفة التجارة الدولية الموحدة لخطابات الضمان تحت الطلب النشرة رقم:758 (URDG) ICC uniform rules for demand guarantees 

————————————-
[1]  مستشار أول – مكتب سلطان العبدالله ومشاركوه

[2] المادة 406 من قانون التجارة رقم 27 لسنة 2006 تنص على أن: (خطاب الضمان تعهد مكتوب غير قابل للإلغاء يصدر من بنك بناءً على طلب عميل له يسمى “الآمر” بدفع مبلغ معين أو قابل للتعيين لشخص آخر يسمى “المستفيد” إذا طلب منه المستفيد ذلك خلال المدة المعينة في الخطاب ودون اعتداد بأي معارضة. ويوضح في خطاب الضمان الغرض الذي صدر من أجله”). 

[3] المادة 409 من قانون التجارة رقم 27 لسنة 2006 تنص على أنه: (“لا يجوز للبنك أن يرفض الوفاء للمستفيد لسبب يرجع إلى علاقة البنك بالآمر أو علاقة الآمر بالمستفيد”). 

[4] المادة 413 من قانون التجارة رقم 27 لسنة 2006 تنص على أنه: (“تسري فيما لم يرد بشأنه نص في هذا الفرع، القواعد السائدة في المعاملات الدولية بشأن خطاب الضمان”).

Share this news

Join our mailing list

Connect with us

© Copyright 2022 Sultan Al-Abdulla & Partners

error: Content is protected !!