Skip to content Skip to sidebar Skip to footer

التعليق على تعديلات قانون المحاماة الصادرة بموجب القانون رقم 19 لسنة 2025

كتابة: طه راشد – مستشار أول

صابرين بن جدو – باحث قانوني

شهدت مهنة المحاماة في دولة قطر خلال الآونة الأخيرة تطوراً تشريعياً بارزاً، تمثل في إدخال تعديلات مهمة على أحكام قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم (23) لسنة 2006. وقد صادق صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى -حفظه الله- على القانون رقم (19) لسنة 2025 بشأن بعض التعديلات على قانون المحاماة، ونشر بالجريدة الرسمية في العدد رقم 23 لسنة 2025 بتاريخ 11/9/2025. ويأتي هذا التعديل في إطار جهود الدولة الرامية لتطوير المنظومة العدلية، بما يعزز من استقلالية المهنة ويرتقي بجودة الخدمات القانونية. وسيتم في هذا المقال تسليط الضوء على أبرز هذه التعديلات والتعليق عليها.

من أبرز التعديلات التي تضمنها القانون، تعديل نص المادة (4) من قانون المحاماة، بحيث يشمل تنظيم وتوسعة اختصاصات محامي الدولة بوزارة العدل لكي يشمل تمثيل الهيئات والمؤسسات العامة بجانب الوزارات والأجهزة الحكومية الأخرى، وذلك وفق التنظيم الذي يصدر به قرار من مجلس الوزراء. وقبل هذا التعديل، لم تكن الهيئات والمؤسسات العامة واردة صراحة بمتن المادة، وهو ما عالجه التعديل الجديد. كما نص على قيام مجلس الوزراء بإصدار القرار اللازم والمناسب لتنظيم أعمال محامي الدولة، عملاً وتنفيذاً لأحكام القانون محل التعليق. ومع ما منحهم القانون من صلاحيات مهنية جديدة، فقد نص التعديل كذلك على تمتع محامي الدولة بالضمانات المقررة في المواد (31)1، (34)2، و(35)3 من قانون المحاماة، الأمر الذي يرسّخ بيئة عمل متوازنة تكفل لهم الحماية أثناء أداء مهامهم. كما أقر التعديل إنشاء سجل خاص بمحامي الدولة، يصدر بتنظيمه وضوابطه قرار من الوزير المختص، بما يوفر إطاراً مهنياً واضحاً، من دون أن يفصلهم عن منظومة المهنة في مجملها. ومن أبرز ما يلفت النظر في هذا التعديل أنه أرسى مبدأ الازدواجية القانونية في وضعية محامي الدولة، حيث نص على أن محامي الدولة لا يخضعون لأحكام قانون المحاماة إلا بالقدر اللازم لممارسة أعمالهم. فهم من جهةٍ يخضعون لأحكام قانون المحاماة فيما يتصل بمهامهم القانونية، وفي الوقت نفسه يظلون تابعين إدارياً ووظيفياً لجهة عملهم الأصلية، وهي وزارة العدل، وذلك فيما يتعلق بالرواتب والإجازات والمسؤولية الوظيفية وغيرها من الجوانب المنظمة بموجب قانون الموارد البشرية أو القرار الأميري رقم (3) لسنة 2025 بالهيكل التنظيمي لوزارة العدل. وتُكرّس هذه الازدواجية قدراً من المرونة، تتيح لمحامي الدولة تفعيل دورهم القانوني بفاعلية، من دون أن يترتب على ذلك قطيعة مع النظام الإداري العام للدولة.

ويُضاف إلى ما تقدّم، أن أورد القانون تعديلاً لنص المادة (5) من قانون المحاماة، فقد استحدث قيداً زمنياً فيما يتعلق بمباشرة موظفي قطر للطاقة لاختصاصهم المرتبط بأعمال المهنة المنصوص عليها في المادة (3)4 من القانون، حيث اشترط أن يكون قد سبق لهم ممارسة العمل القانوني لمدة لا تقل عن سنتين، وهو ما يُعد تطوراً تشريعياً مهماً لضمان الكفاءة المهنية والاحترافية. ومع ذلك، لم يُغلق القانون الباب أمام من لم يستوفِ مدة الخبرة المقررة، إذ أجاز لهم العمل تحت إشراف من تتوافر فيه الشروط، وذلك وفق الضوابط المعمول بها. كما نص التعديل على إنشاء سجل خاص بهؤلاء الموظفين، مع تمتعهم بالضمانات المهنية المقررة في المواد (31)، (34)، و(35) من قانون المحاماة.

وفي سياق ضبط قيد المحامين، جاء تعديل نص المادة (10) من القانون حيث شمل التعديل إعادة النظر في تشكيل لجنة قبول المحامين، في اتجاه يُكرّس مركزية دور وزارة العدل ويُوسع من الصلاحيات الإدارية المباشرة لها، وذلك من خلال حذف منصب مدير إدارة شؤون المحاماة من عضوية اللجنة كمسمى مُحدد، ومنح الوزير صلاحية تعيين ثلاثة من العاملين بوزارة العدل يقوم باختيارهم الوزير. وبهذا أتاح التعديل للوزير صلاحيات أوسع في اختيار أعضاء اللجنة وتحديد هيكلها، مع تعزيز تمثيل الوزارة داخلها، بما يعكس حرص المشرّع على الإبقاء على رقابة الدولة على مدخل المهنة، من دون الإخلال بمبدأ الاستقلال المهني.

إلى جانب ذلك، عُدّل نص البند (7) من المادة (13) من قانون المحاماة ليُعيد ضبط شرط اجتياز المقابلة الشخصية والاختبارات كأحد شروط القيد في جدول المحامين المشتغلين. فلم يعد هذا الشرط مطلقاً بل أصبح مرتبطاً بتقدير لجنة قبول المحامين، ووفقاً للضوابط التي تضعها. فأصبحت اللجنة آلية فرز مهنية تتمتّع بصلاحية تقديرية تسمح بفحص الكفاءة المهنية والسلوك الشخصي للمتقدّمين بحسب ما تقتضيه الحالة. كما يأتي هذا التعديل متواكباً مع التغيرات التي قد تطرأ في الظروف الاستثنائية، على غرار ما حدث أثناء جائحة كوفيد-19، حينما استدعت الضرورة آنذاك تدخلاً عاجلاً بزيادة عدد المحامين المقيدين في جدول المشتغلين، مع الإعفاء من شرط المقابلة، والاكتفاء بخبرات المتقدمين المهنية.

من جهة أخرى، جاء تعديل نص المادة (19) كأبرز تعديل لقانون المحاماة. حيث أعاد رسم حدود الجمع بين مهنة المحاماة والمهن الأخرى، وجاء التعديل مخففاً للحظر المفروض على المحامي في الجمع بين مهنة المحاماة وبين مزاولة التجارة. حيث حافظ المشرع على دائرة المنع، غير أن التعديل جاء أيضًا، بإدخال توسعة تُخرج بعض الأوضاع من دائرة الحظر، دون أن تُفرّط في جوهر الاستقلال الذي تقوم عليه مهنة المحاماة. إذ لم يعد الأمر مقتصراً على امتلاك الأسهم في شركات المساهمة، بل امتدّ ليشمل تملك الحصص أو الأسهم في جميع شركات الأموال، وهو توسيع يُتيح للمحامي الانخراط في الاستثمارات المالية غير التشغيلية، دون أن يُنزله ذلك منزلة التاجر في نظر القانون. بل وزاد على ذلك، أن سمح للمحامي أن يكون شريكاً متضامناً في شركة توصية بسيطة، بشرط ألّا يشارك في إدارتها أو يمارس بنفسه أيّ عمل تجاري، بما يُحقق التوازن بين مقتضيات الاستقلال المهني، وحق المحامي في تنمية موارده المالية ضمن أطر قانونية محددة.

وفي سياق متصل، شهدت المادة (37) من قانون المحاماة تعديلاً مواكباً للظروف الاقتصادية الراهنة فيما يتعلق بطريقة احتساب أتعاب المحامين، إذ أصبح من الجائز الاتفاق بين المحامي وموكله على الأتعاب مسبقاً، بما في ذلك الاتفاق على نسبة من المبلغ المحكوم به في النزاع، على ألا تتجاوز هذه النسبة 25% من قيمة المبالغ المحكوم بها. بعد أن كانت النسبة السابقة 10% فقط. ونرى أن هذا التعديل يعكس مزيداً من العدالة ويأخذ في الاعتبار متطلبات ظروف ممارسة مهنة المحاماة.

أمّا التعديل الذي أدخل على المادة (47) من قانون المحاماة، فهو تعديل يزيل الصورة النمطية التي كانت تعتبر أن أيّ إعلان مهني أو استخدام أساليب الدعاية أو الوساطة هو خرقٌ لقواعد المهنة. حيث ألغى الحظر المطلق على الإعلان والدعاية وذلك بإدخال استثناءٍ تشريعيٍ مشروطٍ بالضوابط الواضحة التي ستصدر عن اللجنة المختصة وتُنشر رسمياً على الموقع الإلكتروني للوزارة، يمكن من خلالها للمحامي بالتعريف عن نفسه بما يحفظ للمهنة وقارها.

أمّا بخصوص التعديل الوارد بنص المادة (61) من قانون المحاماة، فقد جاء النص المُعدل بصياغة مختصرة وبسيطة، تركّز على تشكيل لجنة المساعدة القضائية والحالات التي تندب فيها محامياً. فبعد أن كان النص السابق ينص على أن اللجنة تُشكل “برئاسة أحد الرؤساء بالمحكمة وعضوية اثنين من قضاتها”، أصبح النص المُعدل يكتفي بعبارة “تُشكل بقرار من رئيس المحكمة الابتدائية لجنة من ثلاثة قضاة يكون أحدهم رئيساً”، وهو ما يعبّر عن توجه لتبسيط الصياغة وتقليل التفصيل في النص التشريعي. غير أن اللافت في التعديل أنه جاء بصيغة سلبية، إذ لم يتم إحلال النص السابق بنص بديل يوازيه في التفصيل، بل تم الاكتفاء بحذف بعض الفقرات التي كانت تحمل دلالات عملية مهمة. فقد أسقط المشرّع الفقرة التي كانت تُحدّد مركز المحامي المنتدب من جانب اللجنة كوكيل لصاحب الشأن بمجرّد انتدابه، وكانت تعتبر قرار الندب الصادر عن لجنة المساعدة القضائية بمثابة توكيل نافذ، إضافة إلى منح اللجنة سلطة تنظيم شروط الندب وإجراءاته. ويُثير هذا الحذف تساؤلاً مشروعاً حول الوضع القانوني للمحامي المنتدب بعد التعديل، إذ لم يعد النص يُرتّب بشكل صريح صفة الوكالة القانونية. وهو ما قد يُفضي إلى فراغ تنظيمي جزئي، أو على الأقل إلى الحاجة لتأصيل هذه المسائل في نصوص تنظيمية فرعية أو عبر الاجتهاد القضائي.

وهكذا، يتّضح أن القانون رقم (19) لسنة 2025 لم يكن مجرّد تعديل شكلي لبعض مواد قانون المحاماة، بل مثّل نقطة تحوّل حقيقية في مسار التنظيم القانوني لمهنة المحاماة في دولة قطر. فقد أعاد التعديل رسم العلاقة بين المحامي والدولة، وضبط شروط الولوج إلى مهنة المحاماة، ووسّع من نطاق العمل القانوني داخل المؤسسات العامة، وفتح المجال أمام إصلاحات وتشريعات أساسية طال انتظارها، لتواكب التطورات الحديثة وتدعم دور المحامي في تعزيز منظومة العدالة.


1 “يتعين على الجهات التي يزاول المحامي مهنته أمامها، أن تقدم له التسهيلات التي يقتضيها حسن القيام بواجبه. وعليها أن تسمح له بالحضور في التحقيق والاطلاع على أوراق الدعوى، ما لم تتطلب مصلحة التحقيق غير ذلك. ويتعين إثبات ذلك كتابةً في ملف الدعوى. وللمحامي أن يحصل أثناء التحقيق، على صورة كاملة من الأوراق إلا إذا اقتضت مصلحة التحقيق غير ذلك، وله أن يتظلم أمام النائب العام، إذا رفض طلبه بالحصول على صورة من أوراق التحقيق، وذلك خلال عشرة أيام من تاريخ إخطاره برفض طلبه. ويبت النائب العام في التظلم خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ تقديمه، ويعتبر مضي هذه المدة دون رد، رفضاً للطلب، ويُعتبر قرار النائب العام بالبت في التظلم نهائياً.”

2 “يعاقب كل من تعدى على المحامي، أو أهانه بالقول أو بالإشارة أو التهديد، أثناء قيامه بمزاولة أعمال المهنة أو بسببها، بالعقوبة المقررة لمن يرتكب هذه الجريمة ضد أحد أعضاء هيئة المحكمة.”

3 “لا يجوز في غير حالات التلبس، القبض على المحامي، أو حبسه احتياطياً، أو التحقيق معه، أو تفتيش مكتبه، لأمور تتعلق بأداء مهنته، إلا بمعرفة رئيس نيابة على الأقل، بناء على أمر صادر من القاضي المختص.”

4“لا يجوز لغير المحامين مزاولة مهنة المحاماة، ويعتبر من أعمال المهنة ما يلي:
1- الحضور عن ذوي الشأن أمام المحاكم، والنيابة العامة، وهيئات التحكيم، والجهات الإدارية ذات الاختصاص القضائي، وجهات التحقيق الجنائي والإداري، والدفاع عنهم في الدعاوى التي ترفع منهم أو عليهم، والقيام بأعمال المرافعات والإجراءات القضائية المتصلة بذلك.
2- إبداء الرأي والمشورة القانونية.
3- صياغة العقود، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتسجيلها أو توثيقها.”

error: Content is protected !!