كتابة: إسماعيل طايل – مستشار أول
حمد القحطاني – محام
أولاً: القرار ونطاقه
يمثل القرار رقم 9 لسنة 2026 خطوة مهمة نحو تطوير التقاضي الإلكتروني في قطر؛ إذ لم يقتصر على عقد الجلسات عن بُعد، بل نظم كذلك الإعلان، وتبادل المذكرات والمستندات، وإدارة الجلسات، وإيداع الأحكام والطعن عليها إلكترونيًا، مع الحفاظ على الضمانات القانونية للخصومة.
وقد ميز القرار بين الجلسة الاعتيادية، والجلسة المرئية التي تتم بالصوت والصورة، والجلسة الافتراضية التي تقوم على تبادل المذكرات والطلبات إلكترونيًا دون حضور متزامن. كما ترك لرئيس المجلس الأعلى للقضاء تحديد الدوائر التي تطبق هذا النظام، بما يسمح باختيار نوع الجلسة المناسب لطبيعة كل دعوى.
ثانيًا: ضمانات التقاضي لا تتغير بتغير الوسيلة
أكدت المادة الرابعة أن إجراء المحاكمة إلكترونيًا لا يمس ضماناتها الأساسية، وعلى المحكمة التأكد من صحة الإعلان والحضور، وتمكين الأطراف من تقديم طلباتهم والاطلاع على مستندات خصومهم والرد عليها، مع توثيق الإجراءات وتوفير الدعم الفني اللازم.
ولا يُنظر إلى الخلل التقني باعتباره عطلًا عابرًا، بل بحسب أثره في حق الدفاع. فإذا منع أحد الأطراف من حضور الجلسة أو الاطلاع أو الرد، فقد يترتب عليه بطلان الإجراء، مما يجعل توثيق محاولات الدخول وبلاغات الأعطال أمرًا ضروريًا.
ثالثًا: الإعلان الإلكتروني والعنوان الوطني
ربطت المادة الخامسة الدخول إلى الجلسات الإلكترونية بنظام التوثيق الوطني أو أنظمة المجلس أو رابط الإعلان المرسل إلى العنوان الوطني، استنادًا إلى قانون العنوان الوطني رقم 24 لسنة 2017. وبذلك أصبحت بيانات الهاتف والبريد الإلكتروني والعنوان المسجل منتجة لآثار قانونية مباشرة.
ولا يُعتد بأي رسالة عادية باعتبارها إعلانًا قضائيًا، بل يجب أن تصدر من نظام معتمد وأن يكون إرسالها ومضمونها قابلين للإثبات. كما يتحمل صاحب الشأن مسؤولية تحديث بياناته، وإلا فقد يرتب الإعلان المرسل إلى بياناته القديمة آثاره القانونية.
رابعًا: إثبات الحضور والتحقق من هوية المشاركين في الجلسة الإلكترونية
أوجبت المادة السادسة إثبات عدد الحاضرين في الجلسة الإلكترونية وصفاتهم؛ لما يترتب على الحضور من آثار إجرائية، كما أجازت المادة الثالثة حضور الشهود والخبراء والمترجمين بإذن المحكمة، مع التحقق من هويتهم وتسجيل حضورهم.
ومنحت المادة الثانية عشرة رئيس الجلسة صلاحية التحكم في التحدث والاستماع للمحافظة على النظام ومنع التشويش، بشرط ألا يؤدي ذلك إلى حرمان الخصوم أو محاميهم من عرض دفاعهم والرد على الطرف الآخر.
خامسًا: مواعيد الجلسات وعلانيتها وخصوصيتها
قررت المادة السابعة انعقاد الجلسات خلال الدوام الرسمي، مع جواز عقدها في وقت آخر إذا اقتضت ظروف الدعوى ذلك. كما حافظت المادة التاسعة على علانية الجلسات المرئية، وأجازت جعلها سرية حمايةً للنظام العام أو الآداب أو حرمة الأسرة.
وحظرت المادة الثالثة عشرة عرقلة الإجراءات أو المساس بخصوصية الأطراف، ومنعت تسجيل الجلسات أو تصويرها دون إذن كتابي من رئيس المحكمة. ومع ذلك، فإن فرض عقوبة جنائية على التسجيل أو النشر دون إذن يتطلب نصًا قانونيًا صريحًا.
سادسًا: الجاهزية التقنية جزء من صحة الإجراء
ألزمت المادة الحادية عشرة قلم المحكمة بتهيئة النظام وتفعيل الروابط قبل الجلسة بوقت كاف. وتبرز أهمية هذا الواجب لأن الرابط الصحيح والمفعّل هو الطريق الفعلي للوصول إلى المحكمة في الجلسة الإلكترونية. فإذا تعذر الدخول بسبب خلل خارج عن إرادة الخصم، فلا ينبغي معاملته كمن تخلف باختياره.
ومن أبرز المقترحات العملية الواردة في القراءة تخصيص وسيلة فورية للإبلاغ عن الأعطال، كرقم دعم أو بريد مباشر لكاتب الجلسة، وإرفاقها مع رابط الحضور، حتى يستطيع الخصم إثبات محاولته الدخول في وقتها. كما يُستحسن وضع رابط الجلسة داخل الصفحة الإلكترونية للدعوى نفسها، بدل الاكتفاء برسائل منفصلة قد تختلط على المحامي أو الخصم، ولا سيما عندما تكون لديه جلسات متعددة في اليوم ذاته.
سابعاً: الجلسة الافتراضية والعودة إلى الحضور الشخصي
نظمت المادة العاشرة الجلسة الافتراضية باعتبارها وسيلة تُودع من خلالها المذكرات والطلبات والمستندات إلكترونيًا دون حضور متزامن.
وفي المقابل، أجازت المادة الثامنة للمحكمة أو للأطراف، لأسباب جدية، العودة إلى الجلسة الاعتيادية متى تعذر انعقاد الجلسة إلكترونيًا أو اقتضت مصلحة العدالة الحضور الشخصي. وبذلك تظل التقنية الالكترونية وسيلة لتيسير التقاضي وليست بديلًا إلزاميًا في جميع الحالات.
ثامنًا: المداولة والحكم والطعن إلكترونيًا
أوجبت المادة الرابعة عشرة أن تتم المداولة الإلكترونية سرًا بين القضاة الذين حضروا المرافعة، من خلال نظام آمن يمنع اطلاع غيرهم عليها.
كما اعتبرت المادة الخامسة عشرة إيداع الحكم إلكترونيًا بمثابة النطق به علنًا، وأجازت الطعن عليه عبر النظام دون تغيير طرق الطعن أو مواعيدها. لذلك يجب الالتزام بإجراءات الطعن وحفظ ما يثبت الإيداع وسداد الرسوم، مع المبادرة إلى إثبات أي عطل فني؛ لأنه لا يوقف الميعاد تلقائيًا.
تاسعاً: خصوصية الإجراءات الجنائية
لم يقف القرار عند نطاق الدعاوى المدنية أو التجارية، بل نصت المادة السادسة عشرة على سريان الجلسات المرئية أو الافتراضية في المحاكم الجنائية، بالقدر المنصوص عليه في القرار، وبما لا يتعارض مع الضمانات المقررة في قانون الإجراءات الجنائية. وهذا القيد في غاية الأهمية، فالدعوى الجنائية تمس الحرية الشخصية، وتقوم على ضمانات أكثر حساسية، من بينها حضور المتهم، وحق الدفاع، وسماع الشهود، ومناقشة الأدلة، والمواجهة. لذلك، فإن تطبيق الوسائل الإلكترونية في المجال الجنائي يجب ألا يكون مطلقًا أو آليًا، بل يجب أن يبقى محكومًا بطبيعة الإجراء الجنائي وبالضمانات التي قررها القانون.
بعبارة أخرى، فإن القرار لا يفتح الباب لتحويل المحاكمة الجنائية إلى مسار إلكتروني كامل في جميع الأحوال، وإنما يجيز استعمال الوسائل المرئية أو الافتراضية متى كان ذلك لا يتعارض مع ضمانات المحاكمة الجنائية. وهذا ينسجم مع الفكرة التي سبق بيانها، وهي أن الجلسة الإلكترونية وسيلة، وليست غاية في ذاتها، وأن الدعوى الجنائية لها خصوصية عن سائر الدعاوى.
عاشراً: الخاتمة
في تقديرنا، يمثل القرار رقم 9 لسنة 2026 خطوة مهمة في تطوير منظومة التقاضي في دولة قطر؛ إذ لم يقتصر على إتاحة عقد الجلسات عن بُعد، بل وضع إطارًا متكاملًا لمباشرة عدد من الإجراءات القضائية إلكترونيًا، بدءًا من الإعلان والدخول إلى الجلسة وتبادل المذكرات والمستندات، وصولًا إلى إيداع الأحكام والطعن عليها.
ومع ذلك، فإن نجاح هذا التنظيم سيظل مرهونًا بحسن تطبيقه عمليًا؛ فالعبرة ليست بمجرد وجود نظام إلكتروني، وإنما بقدرته على ضمان وصول الإعلان، وتمكين الخصوم من الحضور والاطلاع والرد، وتوثيق جميع الإجراءات بدقة، والتعامل الجاد مع الأعطال الفنية متى كان من شأنها التأثير في حق الدفاع أو المواعيد القانونية.
فإذا طبقت هذه الضوابط بالصورة التي تحقق الغاية منها، سيكون التقاضي الإلكتروني وسيلة فعالة لتيسير إجراءات العدالة وتخفيف العبء على المحاكم والمحامين والمتقاضين، مع الحفاظ على ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع. أما إذا طغى الجانب التقني على الضمانات الإجرائية، فقد تتحول الوسيلة التي وضعت لتسهيل التقاضي إلى سبب في تعقيده. ولذلك، يبقى التوازن بين سرعة الإجراءات وصون حقوق الخصوم هو المعيار الحقيقي لنجاح هذا القرار.